ترى الكاتبة علياء براهمي أن حالة الجمود في مضيق هرمز تستدعي نهجًا جديدًا، في ظل استمرار التصعيد في الخليج ومناطق أخرى، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن حربه مع إيران لن تنتهي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وفي الوقت نفسه، يظل مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة اختناق حيوية للطاقة العالمية، في حالة شلل، مع تسجيل عبور عدد محدود من السفن يوميًا، مقارنة بأكثر من 100 سفينة يوميًا قبل الحرب.
وفي تحليل نشره «أتلانتيك كآونسل»، تقترح براهمي إنشاء آلية خليجية للتعاون البحري تضم دول مجلس التعاون الخليجي، مع دعوة إيران والعراق إلى الانضمام إليها، بهدف منع أي محاولات لإدارة المضيق بصورة أحادية. وترى الكاتبة أن الحل الحقيقي لأزمة إغلاق إيران للمضيق ينبغي أن يستند إلى نهج إقليمي وتقني، بدلًا من نهج قسري تقوده الولايات المتحدة.
حقائق ميدانية تعيد رسم أزمة مضيق هرمز
على مدى ستة أشهر، اتبعت الولايات المتحدة إجراءات عسكرية واقتصادية ضاغطة لإجبار إيران على إعادة فتح المضيق، بما في ذلك إعلان واشنطن الشهر الماضي عن «يوم اقتصادي حاسم». لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الضغط العسكري أو العقوبات الاقتصادية قادرًا على دفع الحرس الثوري الإيراني إلى تغيير موقفه.
وتتفاوض عُمان منذ أسابيع بصورة مباشرة مع إيران بشأن إعادة فتحه، في مسعى دفع الرئيس ترامب مرتين إلى التهديد بـ«تفجيرهم».
غير أن أي اتفاق بين عُمان وإيران سيؤدي عمليًا إلى تقسيم السيطرة على الممر المائي بين البلدين، وهو ما يظل بعيدًا عن المطلب المشترك لدول الخليج وإدارة ترامب بعدم السماح لأي طرف بفرض سيطرته على المضيق. ولم تحقق المفاوضات حتى الآن اختراقًا.
وفي أوائل مايو، أنشأت إيران «هيئة مضيق الخليج»، وهي جهة بيروقراطية تبدو اعتيادية في ظاهرها، لكنها تحمل هدفًا أكثر تأثيرًا يتمثل في إضفاء طابع مؤسسي على سيطرة إيران على المضيق عبر تحصيل رسوم عبور مرتفعة من السفن التي تسمح لها بالمرور.
ومنذ ذلك الحين، شنت إيران ضربات عقابية على ناقلات لم تنسق مع الهيئة، بينما أعلنت أن أكثر من 300 سفينة تفاعلت مع آلية الهيئة بحلول يونيو، ما دفع الولايات المتحدة إلى تشديد العقوبات المرتبطة بهذه الهيئة المثيرة للجدل.
وفي مواجهة محاولة إيران فرض سيطرة أحادية باعتبارها أمرًا واقعًا، يمكن لآلية تعاون إقليمية أن تضم جميع الدول المطلة على الخليج، وتوفر إطارًا متعدد الأطراف لإدارة المضيق.
وينبغي لدول الخليج، بحسب المقترح، أن توضح أن إنشاء هذه الآلية لا يعني بأي حال الإقرار بحتمية فرض رسوم عبور إلزامية، وإنما يعكس إدراكًا بأن الخليج سيستفيد فعليًا من آلية تنظيم جماعية تركز على قضايا تقنية، مثل حماية البيئة البحرية، وضمان سلامة الملاحة، وتوفير فرق البحث والإنقاذ، ومنع الصيد غير القانوني، وصيانة البنية التحتية، ومنها المنارات والعوامات البحرية.
بناء الثقة عبر التعاون البحري
يمكن أن تشكل بقع النفط التي ظهرت مؤخرًا قبالة سواحل إيران وعُمان عاملًا محفزًا طبيعيًا للتعاون، إذ تبرز الحاجة بوضوح إلى تنسيق الجهود للحد من التداعيات البيئية.
وفي هذا المجال، يمكن لآلية التعاون المقترحة أن تستند إلى سابقة «المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية»، التي تأسست عام 1979 وتتخذ من الكويت مقرًا لها، وتضم في عضويتها دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق.
ورغم أن نقص التمويل والتوترات الجيوسياسية عرقلت عمل المنظمة، بحسب ما تشير إليه الكاتبة، فإن الهدف من الآلية الجديدة سيكون توظيف التعاون العملي لخفض حدة الصراع الإقليمي وتوفير الموارد اللازمة. ومن شأن بدء التعاون في مجال حماية البيئة البحرية أن يساعد على بناء الثقة وإرساء أسس للعمل المشترك في ملفات أكثر حساسية مستقبلًا، مثل إزالة الألغام.
وباعتبارها مبادرة تقنية تستند إلى القانون، ستلتزم آلية التعاون الخليجية باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تكفل حقوق المرور غير القابلة للتعليق عبر المضائق التي تربط أعالي البحار.
وتختلف طبيعة مضيق هرمز عن قناتي السويس وبنما، فالأخيرتان ممران صناعيان أنشأهما الإنسان ويتطلبان عمليات تجريف وصيانة مستمرة ومكلفة، بينما يمثل هرمز ممرًا مائيًا طبيعيًا. ومن ثم، قد تتعارض الرسوم الإلزامية أو رسوم العبور مع القانون الدولي، بحسب الطرح الوارد في المقال.
لكن يمكن اعتماد مساهمات طوعية، على غرار ما يحدث في مضيق ملقا، حيث لا تفرض الدول الثلاث المطلة عليه، ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، رسومًا على السفن مقابل المرور. وبدلًا من ذلك، تتلقى هذه الدول تبرعات من مؤسسات دولية وأطراف فاعلة في قطاع الصناعة، توجه إلى آلية تعاونية تركز على الصيانة وحماية البيئة والسلامة.
ومع ذلك، تلفت الكاتبة إلى أن التبرعات في مضيق ملقا لم تُفرض يومًا تحت تهديد السلاح، كما أن الاحتياجات المالية لآلية التعاون الخليجية ستكون على الأرجح أكبر بكثير.
ويمكن لآلية التعاون البحري في الخليج أيضًا فرض رسوم محدودة على خدمات إزالة الألغام أو تنظيف آثار الحرب، على غرار «معامل كاسر الجليد» الذي تفرضه روسيا على طول طريق بحر الشمال في القطب الشمالي.
وستكون دول الخليج، على الأرجح، حرة كذلك في الاستثمار مباشرة في آلية التعاون، وتطوير قدراتها في مجالات حماية البيئة والبحث والإنقاذ والاتصالات. ونظرًا إلى الطبيعة التعاونية للمشروع وتركيزه على حل المشكلات، ترى الكاتبة أن هناك مبررًا قويًا لحمايته من العقوبات.
تقاسم النفوذ وتحويل الأزمة إلى فرصة تعاون
قد تحصل إيران، التي تمتلك أطول سواحل في الخليج وخبرة بحرية كبيرة، على حصة أكبر من تمويل الآلية مقابل الخدمات التي تقدمها للصالح الجماعي. وقد يشجع هذا الترتيب طهران على الانضمام إلى الآلية، ويوفر لها في الوقت نفسه بديلًا يحفظ ماء الوجه عن تحصيل رسوم العبور.
وتقول براهمي إن إيران أوضحت على مدى الأشهر الستة الماضية أنها تسعى إلى تحقيق عائد مالي من موقعها المهيمن على مضيق هرمز، سواء عبر رسم «المرور الآمن» الإلزامي الذي قيل إنه يبلغ مليوني دولار وتطالب به هيئة مضيق الخليج، أو من خلال اتفاق مع إدارة ترامب يتضمن تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة والاستثمار مقابل إعادة فتح المضيق.
وفي المقابل، لا تستطيع دول الخليج، بحسب الكاتبة، قبول واقع تحتفظ فيه إيران بالسيطرة التنفيذية على المضيق، ليس فقط من منطلق مبدئي، وإنما لأن ذلك سيمنح طهران نفوذًا متقلبًا على جميع صادرات دول الخليج، بما يسمح لها باختيار الشحنات التي تمر، وتعطيل شحنات أخرى عبر الإجراءات البيروقراطية أو تركها عالقة.
وتواجه الكويت وقطر هشاشة خاصة في هذا السياق، إذ تفتقران حاليًا إلى طرق تصدير بديلة يمكنها تجاوز المضيق.
ويمكن لآلية التعاون المقترحة أن تشكل جسرًا بين مواقف الطرفين، عبر الربط ضمنيًا بين إتاحة التمويل وتقديم الخدمات المهمة، وبين توزيع السيطرة على المضيق بدلًا من احتكارها. كما ستوفر الآلية منصة محلية تشتد الحاجة إليها للتعاون التقني والتواصل وإجراءات بناء الثقة.
وترى البراهمي أن إيران استخدمت بالفعل ورقتها الاستراتيجية الأقوى، وأن صانعي القرار في الحرس الثوري يدركون على الأرجح أن قيمة السيطرة الأحادية على المضيق تتراجع كل يوم.
وتعمل دول الخليج حاليًا على تنفيذ بدائل لتجاوز إغلاق المضيق، بدءًا من توسيع البنية التحتية القائمة لخطوط الأنابيب باتجاه خليج عُمان أو البحر الأحمر، وصولًا إلى استخدام مزيج من الطرق البحرية والبرية عبر مصر.
وفي الوقت نفسه، تقلل الصين، التي تعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، اعتمادها على الوقود الأحفوري المنقول بحرًا، وتسرع انتقالها إلى الطاقة النظيفة. كما سيواصل الجيش الأمريكي تطوير قدراته على مرافقة ناقلات النفط بصورة خفية عبر الجزء الجنوبي من المضيق.
ومن شأن إنشاء آلية بحرية خليجية شاملة أن يمنح إيران فرصة لتحويل نفوذها الحالي إلى مكاسب طويلة الأجل قبل استنفاد جميع أوراقها. لكن ذلك سيتطلب من طهران التخلي عن أي إمكانية لإدارة المضيق بصورة أحادية أو استخدام أشكال أخرى من السيطرة القسرية، لصالح جهد إداري جماعي وتقني يعكس الطبيعة المشتركة للمياه الخليجية.
ويمكن لآلية التعاون البحري الخليجية أن تمنح إدارة ترامب مخرجًا من أزمة هرمز، وتفتح المجال أمام قنوات أخرى لخفض التصعيد وحل النزاعات. والأهم، بحسب الكاتبة، أنها ستعيد لدول الخليج زمام المبادرة، عبر تحويل الجغرافيا المشتركة بينها وبين إيران إلى أساس للتعاون بدلًا من الصراع.

